الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

أرضُ الميْعَــاد

 

نظرة قرآنية في العهود التوراتية

د/ محمد أبو زيد أبو زيد

دكتور التفسير وعلوم القرآن

كلية الآداب – جامعة تعز

 

البحث منشور في مجلة التراث العربي - دمشق


 

ملخص:

يطالب اليهود بفلسطين وطناً قومياً لهم معتمدين في ذلك على عهودهم التوراتية التي ظهرت على ألسنة سياسيي اليهود الصهاينة. ولما وجدت شبهة لمثل هذا الكلام في القرآن الكريم، عقدت هذه الدراسة المقارنة لدرء تلك الشبهات من جهة، ولتسليط الضوء على حقيقة تلك العهود التوراتية.

نجد في هذه الدراسة النصوص التوراتية والعهود المزعومة بتمليك اليهود بلاد الشام وغيرها. إلا أنني أخرجت ضوابط العهود من كلا المصدرين (القرآن والتوراة)، فلم أجد هذه العهود منطبقة أو مستحقة لمن يسمى (يهود) في أيامنا.

كما عرضت لحدود هذه الأرض المزعومة من خلال التوراة والقرآن فوجدت أن الواقع ضيق هذه البقعة أقل من الادعاءات بكثير. وعند النظر فيمن تصدق عليه عهود القرآن والتوراة تبين أنها لا تصدق على يهود اليوم لأنهم ليسوا من مسلمي بني إسرائيل بل من كفار الأمم المختلفة. وتبين أن المسلم هو المؤهل لوراثة العهود بالأرض المقدسة بعد وراثة الدين، وهذا ما حصل على أرض الواقع إذ سيطر المسلمون على بلاد الشام وغيرها. كما بينت بأن هذه التوراة لا تقوم بها حجة على عهد ولا على غير ذلك، لأنها محرفة وليست هي التوراة التي أنزلها الله سبحانه على موسى.

تمهيد:

إن العهود التوراتية الموجودة الآن في التوراة الموجودة بين أيدي اليهود تنص على أن هناك أرضاً أعطاها الله لبني إسرائيل أيام رسلهم. ويدعي اليهود اليوم أن هذه العهود تنطبق عليهم وأن هذه الأرض عطاء إلهي لهم يعتبر فوق القانون مهما كان نوع هذا القانون، وفوق إرادة الشعوب مهما كانت هذه الشعوب حتى لو كانت صاحبة الأرض التي يطالب بها اليهود!!

يقول ابن غوريون رئيس الوزراء اليهودي الأسبق عام 1948م بعد أن وقف ممثلاً لليهود في الأمم المتحدة: "وقد لا تكون فلسطين لنا عن طريق الحق السياسي أو القانوني، ولكنها حق لنا على أساس ديني فهي الأرض التي وعدنا الله وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل، ولذلك وجب على كل يهودي أن يهاجر إلى فلسطين، وأن كل يهودي يبقى خارج إسرائيل بعد إنشائها، يعتبر مخالفاً لتعاليم التوراة، بل إن هذا اليهودي يكفر يومياً بالدين اليهودي"[1].

والباحث في التوراة يجد "عهوداً لخمسة عشر نبياً بامتلاك فلسطين بل وأوسع منها وهو ما يسمونه بأرض الميعاد، وقد ابتدأت هذه العهود بإبراهيم عليه السلام قبل 4000 سنة تقريباً وانتهاء بملاخي قبل 2400 سنة تقريباً خلال أكثر من 1500 سنة"[2] ومن هذه العهود:

-  عهد إبراهيم: "ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له… فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأنني أجعلك أبا لجمهور من الأمم… وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً… وأعطي لنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً… وأما إسماعيل… أباركه وأثمر وأكثره كثيراً جدا… ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده سارة في هذا الوقت في السنة الآتية… وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة"[3].

-  عهد إسحاق: "وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر. اسكن في الأرض التي أقول لك… لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمته لإبراهيم أبيك. وأكثر نسلك كنجوم السماء… وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض. من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أو أوامري وفرائضي وشرائعي. فأقام إسحاق في جرار"[4].

-  عهد يعقوب: يقول موسى لإسرائيل: "ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي حلف لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك… الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم… أعمل الصالح والحسن في عيني الرب لكي يكون لك خير وتدخل وتمتلك الأرض الجيدة التي حلف الرب لآبائك… وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها أُشهد عليكم اليوم أنكم تَبيدون لا محالة... لأنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم"[5].

-  عهد موسى: "وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلاً هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل… فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب. فإن لي كل الأرض وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة.. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً.. أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيء مما لقريبك"[6].

-  العهد لداود وسليمان: قال الرب لسليمان: "وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة وعملت حسب كل ما أوصيتك وحفظت فرائضي وأحكامي. فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك… وإن كنتم تنقلبون وأبناؤكم من ورائي ولا تحفظون وصاياي فرائضي التي جعلتها أمامكم بل تذهبون وتعبدون آلهة أخرى. وتسجدون لها فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها والبيت الذي قدسته لاسمي أنفيه من أمامي ويكون إسرائيل مثلاً وهزأة من جميع الشعوب. وهذا البيت يكون عبرة كل من يمر عليه يتعجب ويَصْفُر ويقولون لماذا عمل الرب هكذا لهذه الأرض ولهذا البيت"[7].

 

والآن بعد هذا السرد لعهودهم واهتمامهم بها أريد أن أناقشهم فيها من خلال ما وجدته في هذه العهود من ضوابط وقيود وهي:

1- العهد لإبراهيم u، وجعله الله من بعده في ذريته.

وموطن الاستشهاد في قوله: "وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك… وأعطي لك ولنسلك من بعدك… أرض كنعان". والواقع يشهد بأن الإله الذي وعد إبراهيم بهذا العهد لم يف بعهده لأن إبراهيم لم يملك شيئاً من أرض كنعان (وهي فلسطين) وكان فيها غريباً. وكما تذكر التوراة نفسها أن إبراهيم عندما ماتت زوجته سارة في فلسطين لم يكن يملك مكاناً في فلسطين ليدفنها فيه حتى استعطف بني حثّ هناك فباعوه قبراً لها[8].

وأما موقف الإسلام من هذه العهد فأقول بأن العهد لإبراهيم في قلبكم أرض كنعان يصطدم عقدياً مع الإسلام صداماً مباشراَ؛ لأن خلف الوعد لا يليق أن يكون من صفات الإله الحق وفي القرآن: ]إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ[[9] ]فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ[[10].

ولهذا أرى أنه من تحريفات اليهود التي أضافوها إلى التوراة لتوافق هوى في نفوسهم وسياستهم كما هو معلوم عن أخلاقهم وسلوكهم في تحريف كتاب الله التوراة.

وكل ما ذكره القرآن عن إبراهيم (u) وعلاقته ببلاد الشام هو أنها كانت ملجأً له عندما نجاه الله من النمروذ في العراق. قال تعالى: ]وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ[[11].

والمقصود فيها بالإجماع بلاد الشام[12]، وليس لدينا دليل قطعي على تخصيص مكان معين في بلاد الشام. ومن المعلوم أن فلسطين من بلاد الشام.

بل نجد في القرآن نهياً لليهود والنصارى عن إقحام إبراهيمu فيما يخصهم بغير دليل واضح لأن زمن إبراهيم uكما هو معلوم سابق للتوراة بنحو أربعة قرون وزيادة والإنجيل نزل بعد التوراة بنحو عشرة قرون تقريباً.

قال تعالى: ]يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ[[13]. وقال: ]مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ[[14].

وكذلك الإنجيل يردّ على اليهود ادعاء القرب من إبراهيم والسير على نهجه. فنجد عيسى عندما قالوا له: "أبونا هو إبراهيم. قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعته من الله. هذا لم يعمله إبراهيم… أنتم من أب هو إبليس"[15].

إلا أن الشيء الغريب في عهد إبراهيم أن الأصل أن يكون لإسماعيل من بعده باعتباره الابن الأكبر لإبراهيم، بل كان وحيده وقت هذا العهد وكان عمرة 13 سنة ولم يكن إسحاق قد ولد بعد ولا نرى أي مبرر لإقصاء إسماعيل u غير أنه جدّ العرب وجد رسولهم محمد r وليس من بني إسرائيل (يعقوب). وهذه عنصريه واضحة من اليهود، والتوراة شاهدة عليها إذ المطلع عليها لا يرى مذمة خلقية في سلوك إسماعيل u بينما يرى من أخلاق ودين غيره من رسل بني إسرائيل ما تشيب منه الولدان وسيأتي بعضه في آخر هذا البحث.

2- من خلال مطالعتي للعهود المدّعاة لم أجد عهداَ يتعلق باليهود بلفظ (يهود) وإنما ببني إسرائيل. وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام وهذا أمر متفق عليه بين القرآن والتوراة؛ واليهود في أيامنا يطالبون بفلسطين باعتبارهم هم بنو إسرائيل، ولذلك يسمون دولتهم (إسرائيل) وهذا ادعاء يحتاج إلى برهان.

يقول البروفيسور اليهودي إسرائيل شاحاك: فبحسب القانون الإسرائيلي يعتبر الشخص (يهودياً) إذا كانت والدته أو جدته أو جدته لأمه أو جدته لجدته، يهودية في ديانتها، أو إذا اعتنق الشخص الديانة اليهودية بطريقة ترضي السلطات الإسرائيلية، ولكن شرط ألا يكون هذا الشخص قد تحول في وقت من الأوقات، عن اليهودية واعتنق ديانة أخرى، ففي هذه الحالة تقلع إسرائيل عن اعتباره (يهودياً). ويمثل الشرط الأول من الشروط الثلاثة التعريف التلمودي لمن هو يهودي، وهو التعريف الذي تعتمده الأرثوذوكسية اليهودية… وهذه الطريقة الصحيحة تستلزم بالنسبة إلى الإناث، معاينتهن من ثلاثة حاخامات وهن عاريات في (حمام التطهير)[16].

واضح من كلام إسرائيل شاحاك عدم اشتراط القانون الإسرائيلي للاعتراف بشخصية يهودية أن تكون هذه الشخصية من بني إسرائيل، وبالتالي ليس كل متجنس بالجنسية اليهودية أو الجنسية الإسرائيلية – نسبة إلى دولتهم المزعومة – يكون إسرائيلياً بالضرورة. وإن الناظر في اليهود اليوم لا يرى لهم سحنة واحدة ولا لغة واحدة فمنهن الأشقر ومنهم الأسود ومنهم الأبيض ومنهم مستدير الرأس ومنهم طويله وغير ذلك مما هو مهم في علم الأنساب.

والتاريخ يذكر لنا أن أمما كثيرة اعتنقت اليهودية من غير بني إسرائيل مثل سكان اليمن زمن رئيسهم ذو نواس الذي أجبر الناس على اليهودية وشق الأخدود لمن خالفه، قال تعالى: ]قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ % النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ % إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ % وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ[[17].

وكذلك "انتشرت اليهودية في الحبشة وبلاد القوقاز وأواسط أوروبا وبلاد المغرب وشعوب كثيرة في الإمبراطورية الرومانية. وفي الأندلس… إلى جانب تهود الكثير من الجند الآشوري الذين أرسلوا إلى فلسطين"[18]. وقد تكلم الباحثون في أيامنا كثيراً عن قسمي اليهود الرئيسيين:

الاشكنازيم: أي اليهود المنحدرون من أصل ألماني وأكثرهم من يهود الخزر ويمثلون 92٪ من يهود العالم.

والسفارديم: وهم يهود البلاد الإسلامية قديماً، وأكثرهم طردوا من أسبانيا ويتكلمون الأسبانية في أوروبا والعربية في بلاد العرب. وحسب التقديرات المتوقعة أن نسبة بني إسرائيل فيهم لا تكاد تذكر في نسبة مئوية[19]. هذا بالإضافة إلى الإبادات الكبيرة التي حصلت لبني إسرائيل في القديم على يد الملك بختنصر البابلي وطيطس الروماني وغيرهما فما من بقعة استوطنها اليهود إلا ونكل بهم أهلها لسوء معاملتهم واحتكارهم لثروات البلاد.

ولتعرف الفرق بين يهود التوراة ويهود اليوم اقرأ هذا النص من التوراة: "متى أتى بك ربك إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين سبع شعوب أكثر وأعظم منك… لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم. ولا تصاهرهم. بنتك لا تعطيها لابنه وبنته لا تأخذها لابنك… لأنك أنت شعب مقدس  للرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض"[20].

إذا التوراة لا تقبل بغير النقاء من بني إسرائيل فأين يهود اليوم من هذا النقاء!. وأما بالنسبة للقرآن فقد ورد لفظ (يهود) 8 مرات كلها في الذم لهم ومنها: ]لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا[[21].

3- وجدت أن العهود المقطوعة ذكر في نصها أنها ستضم أمماً كثيرة وشعوباً عظيمة كنجوم السماء، وقد مرّ معنا بعض هذا. إلا أن التأمل في واقع اليهود يراهم فئة قليلة في العالم لا يزيدون في عددهم عن 15 مليوناً في كل العالم وأما الذين في فلسطين فنحو 5 ملايين وهذه أرقام ليست بكبيرة، بل لليهود حكم الأقليات في أماكن تواجدهم قبل أن يتجمعوا في فلسطين. وفي غيرها لا زالوا أقلية.

وبالتالي لا نصيب لهم في هذا العهد من هذا الجانب كذلك.

4- في العهد لإسحاق ذكر أن جميع الأمم تتبارك بنسله.

وهذا خلل واضح في التوراة لأن اليهود مبغوضين من كل أمم الأرض ولم يتبارك أحد بهم بل لا يكاد ينجو من شرهم كل من ربطته بهم علاقة ما قريبة أم بعيدة؛ لذلك تراهم يخشون الناس ويخشاهم الناس، ومن ظهرت له صداقة  لهم فإنما ذلك كما قال الشافعي رحمه الله:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى                   عدواً ما من مصاحبته بُدُّ

 

ولو استقرينا التوراة والواقع لرأينا هذا من صفاتهم:

أما التوراة:

ففيها شكوى مريرة من إدراك اليهود لنفسيتهم الشريرة التي جلبت لهم كره الشعوب، فقد جاء في سفر إرميا: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان خصام وإنسان نزاع لكل الأرض. لم أَقرض ولا أقرضوني وكل واحد يلعنني"[22].

وبهذا المعنى وصفوا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ]كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[[23].

وأما لعنهم فقد قال تعالى: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[[24]. وواضح من هذا أن اليهود شر لكل الأرض وليسوا بركة. وفي نفس السفر يقول الرب: "لأن شعبي أحمق. إياي لم يعرفوا هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين. هم حكماء في عمل الشر ولعمل الصالح ما يفهمون"[25].

وأما من خلال الواقع:

فلعنة الشعوب لليهود يعرفها العالم أجمع كما يعرفها اليهود جيداً وما أكثر ما ذكرت هذا أكثر المؤلفات عن تاريخ اليهود حيث أنهم ما استقروا في بلد حيناً من الزمن إلا وبدؤوا بامتصاص دم الشعوب والسيطرة على اقتصادها ونشروا الإباحة والفجور والفساد الخلقي بكل أنواعه بين الناس حتى لا يلبث ذلك الشعب وتلك الحكومة أن تضيق ذرعاً باليهود فتنهب ممتلكاتهم وتبطش بهم قتلاً ونفياً وتشريداً وهذا ما جرى لهم زمن بختنصر عام 586 ق.م وفي تدمير الرومان لهم عام 63 و70 ق.م و 135م. وزمن الرسول r في بني النضير وقينقاع وقريظة وخيبر.

وفي فرنسا زمن لويس التاسع وعام 1341م وفي المجر 1360م و1582م وفي بلجيكا 1370م وتشيكوسلوفاكيا 1340م و1744م، وعند الإنجليز زمن الملك إدوارد الأول، وفي النمسا 1420م، وفي هولندا عام 1444م، وكذلك في أسبانيا وإيطاليا وروسيا وألمانيا، آخرها على يد هتلر من عام 1933م وحتى 1945م[26]. فقد أجمعت الشعوب على كرههم مما أورثهم عقدة نفسية من بني البشر وصار حالهم كحال زعيمهم السامري صانع العجل عندما غضب الله عليه فعاقبه بأن سلامته تكون في أن لا يمس أحداً ولا يمسه أحد. قال تعالى على لسان موسى معاقباً للسامري: ]قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ…[[27].

وقد يذهل الإنسان من كثرة ما بسط الناس أيديهم إلى اليهود بالسوء إلا أن  المسلم القارئ للقرآن يرى في هذا تصديقاً لقوله تعالى: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ % وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[[28].

إذا فهذا العهد كذلك لا يستقيم لليهود لما أوضحته من الخلل فيه، وعلى كل حال لم يمتلك إسحاق شيئاً من البلدان في بلاد الشام وهذا يتناقض مع عهود التوراة ويتفق مع القرآن لأن القرآن لم يذكر أي عهد لإسحاق u.

5- شرطت العهود على بني إسرائيل لأجل تمكينهم في الأرض أن يكونوا صالحين مع الله والناس.

وقد مضى عند ذكري للعهد أن الرب قال لإسحاق إنه عاهد إبراهيم على إعطائه الأرض: "من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي".

وواضح من هذا أن العلة في إعطاء الأرض كانت صلاحه مع الله وكذلك فيما ذكرت من عهد يعقوب، قول موسى: "الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف لا تسيروا وراء آلهة الأمم حولكم… اعمل الصالح والحسن في عيني الرب لكي يكون لك خير وتمتلك الأرض الجيدة التي حلف الرب لآبائك… وإن نسيت الرب إلهك وذهبت وراء آلهة  أخرى وعبدتها وسجدت لها أشهد عليكم اليوم أنكم تَبيدون لا محالة… لأنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم". واضح كذلك هنا أن امتلاك الأرض مرتبط بصلاحهم وإلا فالدمار والهلاك لمن عصى.

وكذلك في عهد موسى: "فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب… فإن لي الأرض… لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً… أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك . لا تقتل . لا تزن…". وهذا دلالته أوضح بكثير حيث علّق إقامتهم بالأرض المقدسة طالما هم يعبدون الله ويحسنون إلى خلقه.

وكذلك في عهد داود وسليمان مضى قول الرب: "إن سلكت أمامي… بسلامة قلب واستقامة… وحفظت فرائضي وأحكامي فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد… وإن كنتم تنقلبون أنتم وأبنائكم من ورائي… فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها…". وهذا واضح كذلك بأن التمكين في الأرض مشروط بالصلاح مع الله ومع عباده وأن كلمة إلى الأبد الموجودة في العهد ليس المقصود بها أن الأرض لهم وإن عصوا وفسقوا وإنما المقصود بها طالما كانوا صالحين ومن جهة أخرى فإن السموئل بن يحيى من أحبارهم الذين أسلموا لفت النظر إلى خطأ الترجمة، والكلمة في العبرية (عولم) وترجمتها العربية ليس إلى الأبد وإنما حين من الدهر[29]. وعلى كل حال فهذا النص من التوراة ونصوص كثيرة[30] واضحة في اشتراط التقوى والصلاح لتمليك الأرض.

وطلب الصلاح مع الله والناس موافق للقرآن في خطاب الله سبحانه لبني إسرائيل: ]وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ[[31]. والمقصود بالناس هنا كل الناس كما هو في قول علي t وأبي جعفر وعطاء بن أبي رباح[32]. وأما الحسن الذي أمروا بقوله: "فعن ابن عباس أنه الأمر بلا إله إلا الله لمن لم يقلها". وعن الحسن: "لين القول من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم". وعن ابن جريج: "قولوا للناس صدقاً في أمر محمد r ولا تغيروا نعته"[33]. والظاهر ما قاله الشوكاني: إن هذا القول الذي أمرهم به لا يختص بنوع معين، بل كل ما يصدق عليه أنه حسن شرعاً كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر[34].

وإن ربط التمكين في الأرض بصلاح الناس الممكّن لهم مع الله والناس سنّة شرعية لأن الشرائع جائت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل والتمكين للأشرار مخالف للهدف من الرسالات والشرائع وهذه المعاني أطبقت عليها كل الشرائع السماوية والأرضية وكل العقول.

وقد نصت التوراة على هذه السنة بعبارة أخرى أخصر مما ذكرت سابقاً وهي:

"فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبون وصاياه إلى ألف جيل والمجازي الذين يبغضونه بوجوههم ليهلكهم"[35]. فالعلاقة تبادلية يحفظون عهده فيحفظ عهدهم. ونفس المعنى قاله الله لهم في القرآن كذلك: ]يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[[36].

كما نجد التوراة تقطع أطماع اليهود بتملك الأرض بمجرد النسب والانتماء، ففي مزامير داود نجد قوله: "الصدّيقون يرثون الأرض"[37]. وهذه من أوضح العبارات. بل قال تعالى في القرآن أنه أنزل هذا المعنى على داود فقال: ]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ[[38]. ومعلوم أن الزبور كتاب داود عليه السلام فقد قال تعالى: ]وءاتينا داود زبوراً[[39]. وفي هذا إشارة إلى أن عبارة المزامير المنسوبة إلى داود من بقايا كتاب داود u والله أعلم.

وبالنسبة للقرآن فالتمكين للصالحين أمر مفروغ منه وآياته كثيرة كالآية السابقة وقوله تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ[[40].

وبقي أن نقول بأنه يفهم من هذه النصوص أن الصالحين وإن ورثوا الأرض فهذا لا يكون إلى الأبد بل يبقون فيها ما داموا على الشرط الذي دخلوها به وهو الصلاح، فإن ذهب الصلاح ذهبت الأرض. وبمعنى آخر أن الله يبتلي عباده قبل التمكين في الأرض وبعد التمكين في الأرض.

وهذا المعنى الموجود في توراتهم موجود أيضاً في القرآن وموجه كذلك لبني إسرائيل على لسان موسى: ]قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ % قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[[41]. ففي قوله: ]الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ فيه التمكين للصالحين بعد ابتلائهم بمرحلة الضعف. وفي وقله: ]وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[ فيه ابتلاؤهم بعد التمكين بالنظر إلى أعمالهم، وفي هذا تحذير واضح من أن يفقدوا بمعاصيهم ما نالوه بطاعتهم.

 

عهودهم من خلال القرآن:

 القرآن لا ينظر للإنسان من حيث جنسه وقوميته وإنما ينظر له من خلال عقيدته. قال تعالى: ]وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[[42].

ولهؤلاء الأتقياء يكون التمكين في الأرض لأن في التمكين لهم يسود العدل والدين معاً ويأمن الناس على دينهم ودنياهم. قال تعالى: ]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ[[43]. ولا مانع لدينا أن يكون الصالحون من بني إسرائيل أيام كانوا مسلمين مفضلين على العالمين كما لا مانع لدينا أن يدوم التمكين لهم في الأرض ما داموا مسلمين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حافظين لحدود الله وعادلين بين عباده.

إلا أن يهود اليوم ليسوا كذلك، والقرآن لا يراهم مستحقين لشيء غير غضبه ولعنته في الدنيا والآخرة؛ وذلك لأنهم على فرض أنّا عددناهم من بني إسرائيل – وهذا على أحسن أحوالهم – فيكونون من كفار بني إسرائيل وليس من مؤمنيهم المستحقين للعهود المدعاة وذلك لأسباب كثيرة جداً سأكتفي ببعضها مما يهمنا في هذا البحث:

أرسل الله لبني إسرائيل بعد موسى عيسى u رسولاً لبني إسرائيل؛ قال تعالى: ]وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ[[44]. فكفروا به فلعنهم كما لعنهم داود من قبله. قال تعالى: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ[[45]. وفي الإنجيل الوضعي مثل هذا حيث يقول عيسى: "لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة"[46].

ولما استمروا في جرائمهم ضد أتباع عيسى بعد أن ادعوا قتله كذباً عاقبهم سبحانه بأن سلط عليهم القائد الروماني تيطس فدمر عروشهم كما ذكرت سابقاً ومزقهم في الأرض كل ممزق. ثم كانوا ينتظرون الرسول القادم على أحرمن الجمر فلما بعث محمد r ووجدوه من العرب وليس من بني إسرائيل كفروا به. قال تعالى: ]وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[[47]. فلعنهم الله وغضب عليهم وسلط عليهم المسلمين حتى أخرجوهم من جزيرة العرب.

وأما بالنسبة لعهودهم في القرآن الكريم فإننا لا نجد شيئاً يتعلق بإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب وذريته إلا ما كان من أمر بني إسرائيل زمن موسى u حيث كان فرعون يضطهدهم إلى جانب كفره بالله، وهكذا يكون قد جمع بين الكفر والظلم فاستحق ملكه الزوال من الأرض وهذه سنة كونية، قال تعالى: ]وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[[48]. فبين سبحانه أن استحقاقها للزوال بسبب أنها كافرة أصلاً وضمت إلى ذلك الفسق في البلاد. وقد أخبر سبحانه أن فرعون استحق الزوال بسبب اجتماع الاستضعاف والظلم الواقع عليهم مع كونهم أتباع موسى فقال: ]وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ[[49].

والأرض الأولى المذكورة هنا هي مصر بلا خلاف لأنهم كانوا مستضعفين هناك. وقد أورثهم الله إياها بعد مقتل فرعون. وأما الأرض الثانية المذكورة في الآية الكريمة فقد قال الطبري والقرطبي: إنها أرض مصر والشام[50] وذلك لأن التمكين الأكبر إنما كان في الشام وهي التي استقروا بها. ولما كانت إرادة الله هذه أخبر موسى قومه بالصبر وبشرهم بهذا التمكين. قال تعالى: ]قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[[51]. والمفسرون على أن المقصود بالأرض التي يستخلفهم الله فيها: أرض مصر[52].

هذا ما قاله المفسرون ولم يُذكر تفسير هذه الآيات في السنّة المطهرة وإن كنا نظن أن الصحابة سمعوا شيئاً من رسول الله r ولكن ليس على سبيل الجزم لوجود شبهة تسرب الإسرائيليات في مثل هذه المواطن التي تعرضت لها التوراة بالتفصيل كما أننا لم نجد في القرآن والسنّة حدود الأرض التي ورثوها في مصر على وجه التفصيل، ولا كم بقوا من الزمن فيها، بل الظاهر أن موسى لم يرجع إلى مصر بعد غرق فرعون وجنوده. وذكر القرآن بعد ذلك أن موسى ذهب إلى لقاء ربه وأخذ الألواح وترك قومه فأشركوا بالله. قال تعالى: ]وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ[[53]. ثم قال: ]وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ[[54]. ثم أمرهم بدخول الأرض المقدسة – كما سيأتي قريباً – فاتحين فأبوا فضرب الله عليهم التيه أربعين سنة. قال تعالى: ]قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[[55]. مات موسى u في التيه في الصحراء. إذاً في زمن موسى على الأقل لم يحكم بنو إسرائيل مصر. ولم يخبرنا القرآن من الذي حكمها بعده ولا زمنه ولا حدود حكمه بالتفصيل. ويبدو لي أن ذلك في حال وجوده كان فترة بسيطة من الزمن لسببين:

1- لكثرة كفر اليهود وسرعة تفلتهم من الديانات وكان الله يعاجلهم بالعقوبة المدمرة التي تسلبهم كل عزّ كما هو حالهم في بلاد الشام إن لم يكن أشد.

2- عدم وجود آثار أو نقوش على هذه اللحظة تشير إلى ذلك. والله أعلم.

والآية التي تدل على أن موسى طلب من قومه دخول الأرض المقدسة فاتحين بعد نجاتهم من فرعون مصر وأن تلك البقعة قد كتبها الله لهم هي: ]يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ[[56].

والأرض المقدسة هنا قيل: هي "الطور وما حوله. ورجح ابن كثير أنها بيت المقدس"[57]. وبهذا قال الزمخشري[58]. وروى القرطبي والشوكاني عن قتادة: أنها الشام. وعن مجاهد: الطور وما حوله. وقال الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض الأردن[59]. وهو "قول الفراء كذلك. وقال الكلبي: الأرض المقدسة: الشام، منه، وبيت المقدس من ذلك أيضاً"[60].

وقد ذكر الطبري الخلاف في الأرض المقدسة ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: هي (الأرض المقدسة) كما قال نبي الله موسى u لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك[61]. وواضح من قول الطبري أنه وسع المنطقة حتى شملت كل الأقوال السابقة، ولكن يفهم أيضاً من قول الطبري والأقوال الأخرى أن الأرض لم تكن جميع بلاد الشام كما أن مصر لم تكن من تلك الأرض لأن خطاب موسى لقومه كان بعد خروجه من مصر متجهاً إلى بلاد الشام.

ومعنى قوله: ]كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[: قال الزمخشري والشوكاني: قسمها لكم وسماها[62]. وقال القرطبي: دخولها وسكناها[63]. والقرطبي في رأيه كان دقيقاً جداً وملتزماً جانب السلامة لأنه حاول أن يفسر القرآن بالقرآن. ففي هذه الآية وآيات أخرى خاطبهم سبحانه بلفظ: (ادخلوا) وبلفظ: (اسكنوا) كما سيأتي قريباً. والجمع بين القولين أن الله قسم لهم الأرض وسماها لهم ثم فرض عليهم دخولها وسكنها. وأريد أن أسجل من خلال هذه الآية الكريمة ملاحظتين:

1- إن أمر الله لهم بدخول الأرض المقدسة لا يعني أنه سيطروا عليها بتمامها لأن السيطرة على تمام الأرض معنى زائداً على مجرد الدخول فيها كما هو معلوم بداهة.

2- كون الله سبحانه كتب لهم هذه الأرض كذلك لا يعني أنها قد صارت بتمامها ملكاً لهم، لأنه كما هو واضح من الآيات الكريمة أن الله سبحانه كتبها لهم على أن يأخذوها عنوة من الجبارين الذين يسكنونها، وقد أبدى بنو إسرائيل جبناً شديداً تجاه ذلك عوقبوا عليه بالتيه 40 سنة، قال تعالى: ]قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ... قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[[64]. إذاً ملك بنو إسرائيل من الأرض التي كتبها الله لهم على قدر جهادهم وطاعتهم وما كان عندهم من ذلك إلا قليل.

كما أنني أجد في آية أخرى نوعاً من التعريف بالأرض المقدسة هنا وذلك في قوله تعالى: ]وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ % وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ[65] فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ[[66].

والقرية هنا – والله أعلم – هي الأرض المقدسة في الآية السابقة. والذي جعلني أفسر تلك الآية بهذه الآية:

1- إن كلتا الآيتين قبل دخول الأرض المقدسة أو القرية.

2- الأمر بالدخول في كلتا الآيتين.

3- الآية التي فيها ذكر الأرض المقدسة كانت قبل التيه مباشرة كما هو واضح من الآيات التي ذكرت بعدها. والآية التي فيها دخول القرية بعد التيه مباشرة، كما هو في الآية التي قبلها لأن تظليل الغمام والمن والسلوى كل هذا كان في التيه.

إذاً ما بين الآيتين 40 سنة تيه تم بعدها تجديد الدعوة إلى جهاد الجبارين ودخول الأرض المقدسة التي سميت بعد ذلك بـ (القرية) وتم دخول تلك الأرض بعد الآية الثانية التي ذكرتها بلفظ (قرية) وليس بعد الآية الأولى التي ذكرتها بلفظ (الأرض المقدسة). والدليل على ذلك الآية التالية للآية التي ذكرت فيها (القرية) وهي قوله تعالى: ]فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ[[67].

إذاً تم الدخول ولكن مع تحريف كلام الله الذي قاله لهم وقد بينت السنة النبوية هذا التحريف، عن أبي هريرة عن النبي r قال: "قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطة، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعرة"[68].

وطالما أن القوم فسقوا على أبواب الأرض المقدسة وبدأ عذاب الله يلاحقهم إذاً لم يتوسعوا كثيراً على الأقل في الفترة الزمنية التي دخلوا بها الأرض. والذي أريد أن أصل إليه من وراء هذا أن الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم وأمرهم بدخولها ليست كل بلاد الشام بل ولا كل فلسطين وإنما هي قرية من قرى فلسطين لأن معنى (قرية) في الآية السابقة بيت المقدس "عند جمهور المفسرين"[69]. والدليل كذلك أن الله أمرهم بقول (حطة) وأحد أبواب بيت المقدس يسمى (باب حطة) إلى يومنا هذا.

ويعكر على هذا الكلام آيتان:

الأولى: قوله تعالى بعد أن ذكر إغراق فرعون وجنده: ]وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ[[70].

قال القرطبي في تفسير: ]مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا[: الظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. والأرض هي أرض الشام ومصر[71]. وقال الزمخشري: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة[72]. ولإزالة ما يوهم التعارض أقول:

1-   هناك فرق كبير بين الآيتين: السابقة التي كتب الله لهم فيها الأرض المقدسة وهذه الآية. فتلك كانت بلفظ: ]كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[ وهذه بلفظ: ]أَوْرَثْنَا[ وفرق كبير بين اللفظين ودلالتهما، فالله ربط وراثتهم الأرض هنا بصبرهم فقال: ]بِمَا صَبَرُوا[ مكافأة لهم، بينما ربط الأرض التي كتبها لهم بجهادهم للجبارين وأخذها عنوة، ومعلوم أن جهاد بني إسرائيل إنما كان لدخول الأرض المقدسة التي فسرناها بالقرية. أي بيت المقدس. وهكذا نكون قد جمعنا بين الآيتين.

2- وهناك فرق آخر وهو أن الإنسان لو ورث أرضاً شاسعة ليس بالضرورة أن يسكن في جميعها بل قد يسكن في جزء منها. كما هو في هذه الآية. بينما لا يستطيع هذا الإنسان أن يسكن خارج الأرض التي أمر بالسكن فيها والإقامة بها كما هو في الأرض المقدسة. إذاً هذه الأرض ليس بالضرورة أن تكون تلك الأرض، بل هي جزء منها صغير.

3- مجرد الوراثة لأرض لا يعني التمكين فيها لفترة طويلة فقد يذهب الميراث بأسرع مما جاء، ولذلك المعروف أن بني إسرائيل سكنوا الشام وليس مصر. ولعل هذا ما جعل الطبري وابن تيمية يرجحان أن المقصود بمشارق الأرض ومغاربها هنا أرض الشام. ولأن الآية هنا وصفت الأرض بأن الله بارك فيها[73] فقال: ]بَارَكْنَا فِيهَا[ وسبق أن بينت في بداية هذا البحث أنها الشام. وإطلاق ابن تيمية والطبري لفظ (الشام) ليس بالضرورة أن يعني كل الشام بحدودها المعروفة بل الأقرب للصواب أنهما أطلقا العام وأرادا بعضه، فيكون المراد بعض الشام وهذا أقرب للواقع وللجمع بين الآيات.

الآية الثانية: قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل بعد غرق فرعون: ]وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا[[74]. قال الطبري في تفسير الأرض هنا: أرض الشام[75]. وقال القرطبي: الشام ومصر[76] وقال الزمخشري والرازي والشوكاني: مصر[77]. وقال البيضاني: مصر، أو كل أرض[78]. ولإزالة ما يوهم التعارض أقول:

1- الآية هنا تأمر بسكنى الأرض. والآية التي فيها: (الأرض المقدسة) قال: ]كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[ وواضح الفرق بين المعنيين فليس بالضرورة أن كل أرض يسكنها الإنسان تكون قد كتبت له من جهة الله سبحانه كما هو في الأرض المقدسة. والذي يؤيد هذا أن الأرض التي كتبت لهم وصفت بأنها مقدسة ومعلوم أنها الشام وليست مصر. كما أن سكنى الأرض لا تعني بالضرورة كل الأرض، ولا حكم تلك الأرض، ولا عدم المشاركة في سكناها من جهة غيرهم.

2- أرجح أن المقصود بالأرض ما قاله الطبري: أرض الشام. على معنى بعضها لا كلها، ويساعدني على هذا الترجح قوله تعالى: ]وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ % فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ[[79]. والقرية هنا بيت المقدس[80]. وهنا توجد عدة ملاحظات:

أ - كلتا الآيتين طلب من بني إسرائيل فيهما سكنى الأرض.

ب- كلتا الآيتين بعد غرق فرعون أما الأولى فواضح من نصها حيث قال: ]من بعده[ وأما هذه الآية فواضح من دخولهم القرية على غير الهيئة التي أمروا بها – كما بينت هذا قبل قليل – ومعلوم أن دخول القرية كان بعد غرق فرعون وبعد موسى u بل وبعد التيه.

ج- قبل قليل فسرت الآية التي أمروا فيها بدخول القرية: ]وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ…[ وأن يقولوا حطة وأن يدخلوا الباب سجداً، فسرت القرية بأنها بيت المقدس. وهذه الآية نفسها ولكن بدل الدخول قال السكنى لأنه أمرهم بالدخول لأجل الاستقرار والسكن فيها ليس لمجرد الدخول.

د- وقلت: بعض الشام لا كلها لأن الله سبحانه قال في هذه الآية: ]اسكنوا هذه القرية[ وبلاد الشام لا يقال لها قرية وإنما هي قرى كبيرة هكذا وصفت في القرآن في قوله تعالى في قوم سبأ: ]وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا ءامنينَ[[81].

وفي تفسير القرى التي بارك الله فيها قال القرطبي: الشام[82]. ورواه الطبري عن مجاهد وقتادة وابن جريج[83]. ورواه ابن كثير أيضاً عن الحسن وسعيد بن جبير ومالك والضحاك والسري وابن زيد وغيرهم[84]. إذاً الشام قرى وليست قرية واحدة وبالتالي أمر بنو إسرائيل بسكنى جزء من الأرض المقدسة أو المباركة وليس كلها. ويدفعني إلى هذا القول عدم وجود نص شرعي يحدد حدود الأرض المقصودة واسمها صراحة. وكذلك عدم ثبوت ملكية بني إسرائيل  لأرض مصر والشام بتمامهما ولفترة معتبرة من خلال الآثار والنقوش ومسألة كهذه لا نص فيها على وجه الدقة للآثار والنقوش. فيها نصيب الأسد. وقد قال تعالى: ]فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[[85] وهم من أهل الذكر في هذا المقام.

وبعد محاولة معرفة الأرض التي كتبها الله لبني إسرائيل من خلال الآيات نعيد النظر في نفس الآيات لمعرفة الضوابط والقيود التي مكن لبني إسرائيل في الأرض من أجلها، وقد وجدت فيها الضوابط الآتية:

- وقوع الظلم على بني إسرائيل بسبب استضعافهم في أرض مصر. وهذا واضح في آية القصص (5) وفيها: ]…عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ…[. وفي آية الأعراف (137) وفيها: ]…الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ…[. فقد كان بنو إسرائيل مسلمين يظلمهم فرعون الكافر. ومعلوم أن حال اليهود اليوم على العكس من ذلك؛ إذ أنهم كافرون يظلمون المسلمين في بلادهم، فهم يقومون في فلسطين بدور فرعون في مصر وظلمه. ويستضعفون المسلمين الفلسطينيين. وعند تطبيق الآيات سيكون التمكين للفلسطينيين المسلمين المستضعفين.

- اشترطت الآيات لتمكين بني إسرائيل في الأرض أن يكونوا من المتقين الصالحين وهذا واضح في آية القصص (5) وفيها: ]…وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً…[. "والأئمة هم قادة الخير ودعاته"[86] في البلاد والعباد فيكونون من عباد الله المسلمين لا من معانديه الكافرين. وهذا شرط في عهد الله لإبراهيم u، قال تعالى: ] وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[[87]. وقد اتضح من هذه الآية أن ذرية إبراهيم u منها الصالح وهو الذي يمكن الله له في الأرض والدين ومنها الظالم وهذا لا عهد له من الله وتأييد.

- في آية الأعراف (128) قال:]…وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ…[. وقد وضحت آيات المائدة التي أمرتهم بدخول الأرض المقدسة أنها أمرتهم بذلك عندما كانوا مؤمنين فقال في الآية (23): ]وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[ ولما تخلفوا عن الجهاد وعصوا رسلهم وثبت فسقهم منعوا من الأرض المقدسة، بل وضرب عليهم التيه في الأرض 40 سنة، كما سبق ذكره.

ومن هنا نستطيع أن نفهم مخاطبة الله لهم في هذه الآيات بلفظ (بني إسرائيل) أنه لم يكن المقصود منه النسب إلى إسرائيل (يعقوب) وإنما المقصود به المسلمون دون أي اعتبار آخر للجنس وإنما قال بني إسرائيل لأنهم في ذلك الوقت كان المسلمون منهم باعتبار الرسالة فيهم. وتسمية ديانتهم باليهودية مبتدع لا اعتبار له والحق في قوله تعالى: ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ[ [88]. ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ[[89].ولأجل الإسلام كان الله معهم في تلك الأيام ضد سكان فلسطين الوثنيين الذين قال فيهم: ] سَأُورِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ[[90]. وقد سبق ذكري لهذا المعنى.

- بين سبحانه وتعالى في آية الأعراف (129) لزوم استمرار مسلمي إسرائيل على التقوى وأن دخولهم الأرض المقدسة امتحان جديد لهم في عهد قوتهم بعد أن امتحنهم في عهد ضعفهم فقال: ]…فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[. وهذا يعني أنهم إن تغيروا مع الله يغير حالهم وهذه سنة إلهية حيث قال: ]ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[[91]. وحال اليهود من الفسق والفجور والكفر لا يخفى على العالم ويكفى ما ذكرته عنهم توراتهم وقد مضى شيء من هذا وسيأتي المزيد.

وقد حذرهم القرآن من ضياع عهودهم كلها عند الله إن لم يكونوا اتقياء ومؤمنين برسوله محمد r فقال: ]يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ % وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[[92]. ثم أخبرنا سبحانه أنهم لم يبالوا بتحذيره واشتروا بآياته ثمناً قليلاً وكفروا بمحمد r فقال: ]بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ[[93]. وبالتالي خسر اليهود عهودهم وعزتهم وتمكينهم ونجاتهم وأمنهم فلجؤوا إلى الناس ليعوضوهم ما خسروه عند الله، وهاهم يبحثون عن الأمن صباح مساء ولن يجدوه بغير الإسلام.

ومن خلال عرض ومناقشة العهود السابقة في القرآن والتوراة أخلص إلى نتيجة مهمة وهي الاتفاق بين المصدرين على أن الأرض المقدسة قد كتبت للمؤمنين المصدقين بالرسل الطائعين لهم والذين كانوا في ذلك الزمان من آمن من بني إسرائيل وأن هذا التمكين يدوم مع دوام الإيمان والعدل ويزول بزوالهما.

 

حدود أرض العهود (أرض الميعاد):

يفرق اليهود بين ما يسمى بـ (أرض إسرائيل) ودولة (إسرائيل المعاصرة) فأرض إسرائيل تذكر التوراة حدوداً تفصيلية كبيرة لها تتجاوز حدود فلسطين. ففي سفر التثنية: "الرب إلهنا كلمنا… تحولوا وارتحلوا وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر أرض الكنعانيين ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات… ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم"[94]. وفي سفر التكوين: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاً . لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات…"[95]. وكذلك في التوراة أن الرب كلم يشوع قائلاً: "فالآن قم أعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل . كل موضع تدوسه بطون أقدامهم لكم أعطيها كما كلمت موسى . من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم"[96]. وهناك تفصيل أكبر في سفر العدد: 34/1-12.

وهذه العهود التي تعطيهم كل هذه الأراضي الشاسعة تصطدم مع ما يسمى الآن بدولة إسرائيل لأنه ليس منها شيء خارج حدود فلسطين بل وفي جزء من فلسطين وهذا يقودنا إلى التفرقة بين ما يسمى بـ (أرض دولة إسرائيل) و(أرض إسرائيل) أو (أرض الميعاد). فما يسمى بدولة إسرائيل هو هدف مرحلي عند اليهود يتناسب مع الظروف الراهنة للعالم وبالذات ما هو داخل فلسطين وما حولها من الدول. وبعبارة أخرى هذه الدولة الآن تعتبر خطوة تكتيكية ونواة (أرض إسرائيل) أو (أرض الميعاد) وهي المذكورة في عهودهم التوراتية، وقد سبق أن ذكرت في (البعد العقائدي اليهودي في فسطين) تصريحات زعمائهم في هذا المعنى وأضيف هنا ما قاله إسرائيل شاحاك: "ويجري التداول اليوم بعدد من الصيغ المتباينة لحدود أرض إسرائيل التوراتية التي تفسرها مراجع حاخامية كحدود تعود إلى الوضع المثالي، للدولة اليهودية. والصيغة الأبعد أثراً تشتمل ضمن هذه الحدود: كامل سيناء، وجزءاً من شمال مصر وحتى ضواحي القاهرة في الجنوب، وكامل الأردن وجزءاً كبيراً من العربية السعودية، وكامل الكويت وجزءاً من تركيا (حتى بحيرة فان) في الشمال، وقبرص في الغرب"[97].

وهذا ما يفسره العلم الذي وضعوه لدولتهم حيث لوّن الأعلى والأسفل بالأزرق رمزاً لنهري الفرات والنيل ووضعت في وسطه نجمة داود السداسية رمزاً إلى دولة داود وسليمان. بل إننا نرى أنهم يطمعون بأكثر من هذا وهو كل أرض داستها أقدامهم وهذا هو ما ذكرته قبل قليل في سفر يشوع: "كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته…". وفي ضوء هذا قال ابن غوريون أول رئيس وزراء لدولة اليهود: "حدود دولتنا حيث تصل أقدام جيشنا"[98].

وقال هرتزل للمستشار الألماني (هوهنكر) حيث سأله عن الأرض التي يريد: "سنطلب ما نحتاجه، وتزداد المساحة المطلوبة مع ازدياد السكان"[99].

أما بالنسبة للقرآن فكما ذكرت سابقاً لم يذكر سابقاً لم يذكر حدوداً تفصيلية للأرض التي كتبها الله للمسلمين من بني إسرائيل إلا أن إجماع العلماء على أنها ضمن حدود بلاد الشام، ورجحت أنها لا تعدو عن كونها قرية بيت المقدس، ثم بعد ذلك توسع القوم من خلال حروب قاموا بها حول تلك القرية. هذا غير ما ورثوه من أرض مصر وهذا كان بسبب ظلم فرعون لهم وصلاحهم في ذلك الوقت وليس من الأرض التي قال الله إنه قد كتبها لهم كما بينت سابقاً.

وعندما نظرنا في كتب التاريخ لم نجد ما قالته التوراة عن دولتهم الواسعة ولم نجد دولتهم تجاوزت حدود فلسطين بل لم يكتمل لهم حكم فلسطين كاملة وبقي أهلها الأصليون يشاركونهم السكنى فيها[100]. كما أنه لا يوجد في الوثائق الآشورية أي أثر لفترة داود وسليمان التي يعتد بها اليهود وأكثر ما ذكرت هذه الوثائق أن هناك دولتان لبني إسرائيل في أجزاء من فلسطين. إلى جوار دول أخرى لغيرهم فيها وكذلك النصوص المصرية لا ذكر فيها لداود وسليمان ودولتهما وإنما ذكرت بعد داود وسليمان وجود دولتين إسرائيليتين فيها وأن غير الكنعانيين (السكان الأصليين) في فلسطين شاركهم كذلك بعض شعوب البحر مثل البلس وغيرهم فاستقروا على الشاطئ ضمن كيانات سياسية خاصة بهم[101]. والتنقيبات السورية لم تذكر أي أثر لليهود أو لبني إسرائيل في سورية. وليس فيها أثر لوجود سياسي في دمشق وجنوبها سوى ما تدعيه المصادر التوراتية[102]. وهذا ما يعيدنا إلى التصور القرآني من أن دولتهم لم تكن بذلك الاتساع ولا بذلك الاستقرار والثبات.

 

على من تصدق عهود التوراة والقرآن:

طالما ثبت لدينا عقلاً ونقلاً أن الصلاح مع الله والناس شرط للتمكين الشرعي في الأرض المقدسة. فمن منا يكون الأجدر بهذا التمكين؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى مواصفات اليهود في التوراة أولاً، وقد ذكرت سابقاً شيئاً عن قبيح صفاتهم وأضيف هنا ما ذكرته التوراة من أن النبي يعقوب (إسرائيل) لم يعبد الله فلعنه: "وأنت لم تدعني يا يعقوب حتى تتعب من أجلي يا إسرائيل… لقد استخدمتني بخطاياك وأتعبتني بإيمانك… فدنستُ رؤساء القدس ودفعت يعقوب إلى اللعن وإسرائيل إلى الشتائم"[103].

وكذلك موسى وهارون لم يكونا مؤمنين فحرمهما الله من الأرض المقدسة: "فقال الرب لموسى وهارون من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل لذلك لا تُدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها"[104]. وفي التوراة يعقوب يصارع ربه ويغلبه وينتزع منه المباركة بالقوة[105]. وداود يزني بامرأة أحد قادة جنده (أوريا الحثي)[106]. وسليمان رجل جنس وعشق يتغزل بحبيبته ابتداء من شعرها وخدها ونحرها إلى ثدييها وبطنها وسرتها وهي كذلك تتغزل بكل هذا منه[107]. والأغرب من هذا أن الإله نفسه يأمر رسوله هوشع بالزنى فيقول له: "أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب. فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحبلت وولدت له ابناً…"[108]. ولوط ابن عم إبراهيم u يزني بابنتيه[109]. وبالجملة كان هذا حال أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم كما تقول التوراة: "ولكن هؤلاء أيضاً ضلوا بالخمر وتاهوا بالمسكر. الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر ابتلعتهما الخمر تاها من السكر ضلا في الرؤيا قلقا في القضاء. فإن جميع الموائد امتلأت قيئاً وقذراً. ليس مكان لمن يعلم معرفة ولمن يفهم تعليماً…"[110].

وإذا كان الرسل كفرة وزناة وسكرة فلمن تكون العهود بالأرض المقدسة وما حال ذلك الشعب الذي هذه حال رسله وعلمائه بل وإلهه كما يصورونه!!.

ونحو هذا نجده في الإنجيل في مخاطبة المسيح لبني إسرائيل لما وجده فيهم من الصد عن سبيل الله وتقديسهم لذهب الهيكل وليس للهيكل وأنهم أبناء قتلة الأنبياء وأنهم كالحيات وأولاد الأفاعي. فيقول: "ويل لكم أيها الكتبة الفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس… وتأكلون بيوت الأرامل… ويل لكم أيها القادة العميان القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء. ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم… ويل لكم أيها الكتبة الفريسيون المراؤون لأنكم تنقّون خارج الكأس والصحفة وهما من الداخل مملوآن اختطافاً ودعارة… فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء.. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك هاأنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون… يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين"[111].

ونحو هذا وصفهم القرآن، حاشا الرسل فإنهم مكرمون بريئون مما قاله كفرة بني إسرائيل في توراتهم. قال تعالى في بني إسرائيل: ]…وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُون النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ[[112]. وعن علمائهم يقول تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ…[[113]. ]اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ…[[114]. وقال: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ % كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[[115].

فهذا إجماع الكتب ومرّ معنا إجماع الشعوب على خبثهم وسوء طويتهم. أبعد هذا يكون اليهود شعب الله المختار والمقدس الذي كتب الله له الأرض!!.

إن أمة الإسلام هي التي تستحق العهود فهي الأمة الكثيرة التي وصفت بأنها كنجوم السماء ومن نسل إبراهيم u من جهة إسماعيل u وهي التي تباركت بها الأمم وشعت الهداية منها حتى أضاءت وجه المعمورة وهي التي حكمت بلاد الشام حقيقة وملأتها عدلاً ونوراً وطهرتها من عبادة غير الله.

ومن جهة أخرى فإن كل العهود التي يتحدث بها اليهود إنما أخذوها من التوراة اليوم وهذه التوراة ثابت تحريفها ولا يستطيع بشر أن يثبت أن الله سبحانه قال ولو سطراً مما فيها. وقد ألف في إثبات التحريف فيها كتب كثيرة وسأكتفي هنا بمثال واحد على هذا التحريف. ففي سفر التثنية من توراة موسى تجد: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب… ودفنه في الجواء في أرض مؤاب… ولا يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات… فبكى بنو إسرائيل موسى… ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه"[116]. فهل يعقل أن يكون هذا مثل الكلام في التوراة التي نزلت على موسى وهو حي؟ فإذا كان موسى قد مات، فعلى من نزل هذا الكلام من بعده؟ وكيف دخل في توراة موسى؟!.

 


[1]) عابد توفيق الهاشمي - العقيدة اليهودية في فلسطين ونقدها – ط1 – دار اقرأ – اليمن 1412هـ – 1992م. ص 22.

[2]) عابد توفيق الهاشمي - انظر الوسيط في علم الأديان – جـ1 – ط1  - دار الفكر المعاصر – صنعاء 1419هـ – 1998م – ص 303.

[3]) الكتاب المقدس – مطبعة الشرق الأوسط للكتاب المقدس – التوراة - التكوين 17/ 1-26.

[4]) التوراة – التكوين 26/ 2-6.

[5]) التوراة – تثنية 6/10-18، 8/18-20.

[6]) التوراة – خروج 19/3-6، 20/7-17.

[7]) التوراة – الملوك الأول 9/4-8.

[8]) انظر التوراة – التكوين 23/1-16.

[9]) الرعد 31.

[10]) إبراهيم 47.

[11]) الأنبياء 71.

[12]) ابن جرير الطبري - جامع البيان جـ 17– دار الفكر في لبنان – 1405هـ 1984م - ص47.

[13]) آل عمران 65.

[14]) آل عمران 67.

[15]) الإنجيل – يوحنا 8/ 38-44.

[16]) إسرائيل شاحاك - الديانة اليهودية وتاريخ اليهود – ترجمة رضا سلمان – ط4 – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – 1997م - ص22.

[17]) البروج 4 – 7.

[18]) العقيدة اليهودية في فلسطين ونقدها ص 127 وما بعدها.

[19]) راجع العقيدة اليهودية في فلسطين ونقدها – د. عابد توفيق هاشمي 127 وما بعدها.

محمد عزة دروزة - اليهود في القرآن الكريم – المكتب الإسلامي – دمشق وبيروت 1400هـ – 1980م – ص 132 – 133.

[20]) التوراة – تثنية 7/1-6.

[21]) المائدة - 82

[22]) التوراة – إرميا 15/10.

[23]) المائدة - 64

[24]) المائدة (78 – 79)

[25]) التوراة – إرميا 4/22

[26]) لمعرفة هذه النقول وغيرها راجع: إغاثة اللهفان لابن القيم 2/439 – 440 – 474 – 475. ومحمود مزروعة - دراسات في اليهودية – ط1 – دار الطباعة المحمدية – القاهرة – ص 128وما بعدها. ومقدمة ابن خلدون – ط1 – انتشارات استقلال – إيران – 1410هـ – ص231. وابن جرير الطبري – تاريخ الأمم والملوك – جـ3 – مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت – ص 367 وما بعدها. ومحمد السماك – الصهيونية المسيحية – ص 175 وما بعدها. ومن اليهودية إلى النصرانية –ولابن كثير  - البداية والنهاية ص 2/41 وما بعدها. ومحمد عبد السلام – بنو إسرائيل في القرآن الكريم – ط1 – ص 112 وما بعدها. والديانة اليهودية وتاريخ اليهود – إسرائيل شاحاك ص 98 وما بعدها.

[27] ) طه – 97.

[28]) الأعراف 167 – 168.

[29]) السموئل بن يحيى المغربي - بذل الجهود في إفحام اليهود – ص 16.

[30]) راجع للاستزادة التوراة – الملوك الثاني21/8-15. إرميا 7/5-7. وتثنية 8/18-20. و28/15-28.

[31]) البقرة 83

[32]) تفسير الطبري 1/392. والشوكاني - فتح القدير – جـ1 – ط1 – دار الوفاء – المنصورة 1415هـ – 1992م – ص 173.

[33]) تفسير الطبري 1/392. والقرطبي – الجامع لأحكام القرآن – جـ2 – مكتبة الغزالي -دمشق-ص16.

[34]) فتح القدير للشوكاني 1/172.

[35]) التوراة – التثنية 7/9-11.

[36]) البقرة 40.

[37]) التوراة – مزامير 37/29.

[38]) الأنبياء 105.

[39]) النساء 163.

[40]) النور 55.

[41]) الأعراف 128 – 129.

[42]) الحجرات 13.

[43]) الأنبياء 105.

[44]) الصف 6.

[45]) المائدة 78.

[46]) الإنجيل – متى – 15/24.

[47]) البقرة 89.

[48]) الإسراء 16.

[49]) القصص 5-6.

[50]) تفسير الطبري 20/28-29. وتفسير القرطبي 13/249.

[51]) الأعراف 128 – 129.

[52]) راجع تفسير الطبري 9/28. وتفسير القرطبي 7/263. وابن كثير – تفسير القرآن العظيم – جـ2-ط1- دار الفيحاء – دمشق – 1414هـ – 1994م - ص143 والشوكاني في فتح القدير 2/246. وزاد الشوكاني والقرطبي: وقد حقق الله راجاءه وملكوا مصر في زمان داود وسليمان، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون.

[53]) الأعراف 142.

[54]) الأعراف 148.

[55]) المائدة 26.

[56]) المائدة 21 – 22.

[57]) انظر تفسير ابن كثير 2/53.

[58]) الزمخشري - تفسير الكشاف – جـ1 – نشر أدب الحوزة – إيران - ص620.

[59]) انظر تفسير القرطبي 6/125. وتفسير فتح القدير 2/30.

[60]) ابن منظور – لسان العرب – نشر أدب الحوزة – إيران – مادة (قدس).

[61]) تفسير الطبري 6/ 172.

[62]) تفسير الكشاف للزمخشري 1/620. وتفسير فتح القدير للشوكاني 1/30.

[63]) تفسير القرطبي 6/125.

[64]) المائدة 24-26.

[65]) المقصود بالقرية هنا المدينة؛ سميت بذلك لأنها تقرّ أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته. تفسير القرطبي 1/409. وانظر: الراغب الأصفهاني – مفردات ألفاظ القرآن – ط2 – المكتبة المرتضوية – إيران – ص 402-403.

[66]) البقرة 57-58.

[67]) البقرة 59.

[68]) البخاري – الطبعة التركية – استنبول - 4479. ومسلم – الطبعة التركية – استنبول - 3015/1. والترمذي – الطبعة التركية – استنبول - 2956/ ابن الأثير - جامع الأصول – تحقيق عبد القادر الأرناؤط – ط2 – دار الفكر – لبنان – 1403هـ – 1983م – رقم 472. والمقصود بـ حطة: أي حٌطّ عنا ذنوبنا.

[69]) راجع تفسير القرطبي 1/409. وتفسير فتح القدير للشوكاني 1/152.

[70]) الأعراف 137.

[71]) تفسير القرطبي 7/272.

[72]) تفسير الكشاف 2/149.

[73]) راجع تفسير الطبري 9/43-44. وابن تيمية - مجموع الفتاوى – جـ 27 – مكتبة النهضة الحديثة – مكة – 1404 هـ - ص44، 506.

[74]) سورة الإسراء 104.

[75]) تفسير الطبري 15/176.

[76]) تفسير القرطبي 10/338.

[77]) تفسير الكشاف 2/698. والفخري الرازي - التفسير الكبير – جـ21 – ط3- ص6. وفتح القدير للشوكاني 3/269.

[78]) البيضاوي - أنوار التنزيل وأسرار التأويل – دار الفكر – 1402هـ – 1982م – ص 385.

[79]) الأعراف 161-162.

[80]) راجع تفسير الطبري 9/90. والكشاف للزمخشري 2/170.

[81]) سبأ 18.

[82]) تفسير القرطبي 14/289.

[83]) تفسير الطبري 22/83.

[84]) تفسير ابن كثير 2/704.

[85]) النحل 43.

[86]) انظر تفسير القرطبي 13/249.

[87]) البقرة 124.

[88]) آل عمران 19.

[89]) آل عمران 85.

[90]) الأعراف 145.

[91]) الأنفال 53.

[92]) البقرة 40 – 41.

[93]) البقرة 90.

[94]) التوراة - التثنية 1/6-8.

[95]) التوراة - التكوين 15/18-20.

[96]) يشوع 1/1-5.

[97]) الديانة اليهودية وتاريخ اليهود – إسرائيل شاحاك 29. وراجع: عبد العزيز بن مصطفى بن كامل–حمى الألفين – المنتدى الإسلامي – العالمية للطباعة والنشر – ص 31-32. وللاطلاع أكثر على أهدافهم التوسعية راجع العقيدة اليهودية في فلسطين ونقدها – د. عابد توفيق هاشمي 32-38-42. والصهيونية المسيحية – محمد السماك ص 123.

[98]) مجاهد بن مجدد الدين - لا طريق غير الجهاد لتحرير المسجد الأقصى – ط1 – 1414هـ – 1994م- ص 572. وحمى الألفين – عبد العزيز مصطفى كامل 35.

[99]) حمى الألفين – عبد العزيز مصطفى كامل 35.

[100]) راجع تاريخ الطبري 1/216 وما بعدها.

[101]) راجع: أحمد فخري – مصر الفرعونية: موجز تاريخ مصر منذ أقدم العصور حتى عام 332ق.م - ط8 دار الأنجلوا المصرية – القاهرة بتاريخ 1995 ص 418-420.

[102]) راجع: هورست كلينغل – تاريخ سوريا السياسي 3000-300 ق.م، ترجمة سيف الدين دياب ط1- دار المتنبي دمشق - 1998م ص 231.

[103]) التوراة – أشعيا 43/22-28.

[104]) التوراة – عدد 20/12-13.

[105]) التوراة – تكوين 32/22-31.

[106]) التوراة – صموئيل الثاني 11/1-13.

[107]) التوراة – نشيد الأنشاد بتمامه.

[108])  التوراة – هوشع 1/ 1-7.

[109]) التوراة – تكوين 19/30-37.

[110]) التوراة – إشعيا 28/7-10.

[111]) الإنجيل – متى 23/13-39.

[112]) البقرة 61.

[113]) التوبة 34.

[114]) التوبة 31.

[115]) المائدة 78-79.

[116]) التوراة – التثنية 34/5-10.

 

The Promised Land

Quran View to the Torah Testament

Extract:

The Jews demand Palestine as a national homeland. They depend on that on their Torah testaments appeared on the tongues of the politicians of Jews. As I found similarity to that talk in the Quran, I have done this comparative study to stop that doubts from one side and to shed the light on the truth of that Torah testaments we find in this study the Torah texts and the claim testaments by granting the Jew AL-Sham countries and others. But I clarified the conditions of that testaments from both sources (Quran and Torah) I discovered this testaments  ogical or deserved for those called the Jews at present. Also I showed the boundaries of this claimed land through the Torah and Quran. I found the truth narrowed in this spot and less than the claims so much. When looking at whom this testaments deserve, I discovered that they are not identical to the Jews of today because the don’t belong to the Israeli Muslims but from the infidels of the different nations. It is also Clear that the Muslims is qualified to do a study about the testaments of the holly land after inheritance of the religion and that what happened on the reality, where the Muslims controlled Al Sham countries and others.

Also it was cleared that the Torah dose not deserve any debates or reasoning for it was not like the Torah that was given by God and received by Musses (peace be upon him).